لا يمكن فصل هذه المحاكمة عن عملية الصراع التاريخي في فلسطين والمستمر حتى يومنا هذا بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني؛ صراع يدور حول أرضها، تاريخها، حضارتها وثقافتها، وهويتها. وعليه فان أيّ محاولة للقفز عن هذه الحقيقة في تناول تداعيات الصراع ستشكل تعسفاً مقصوداً على الواقع وستجانب الصواب؛ تعسفا يستمدّ دوافعه من غطرسة الطرف القوي. وسعيه لإخضاع نقيضه (الضعيف) بمعايير وموازين القوى التي تحكم هذا الصراع على الأرض.
وإذا كانت وظيفة أي جهاز قضائي تحقيق وإقرار العدل كركن أساسي لغاياته، فان أيّ ممارسة قضائية نزيهة وشرعية وأخلاقية ينبغي أن تحتكم إلى قضاء مستقلّ وقوانين تنسجم مع القانون الدولي كمرجع لتحقيق العدالة النسبية في الصراعات الدولية. والقانون الدولي وهيئته التشريعية "الأمم المتحدة" ومجمل القرارات الصادرة منها لم تشرع احتلالكم، بل دعت إلى إنهائه وتصفية آثاره، وحتى حين اعترفت بإسرائيل كدولة اشترط حيثيات القرار إعادة اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا بالقوة وحتى الآن لم يُستوفَ هذا الشرط، كما أجازت المواثيق الصادرة عنها لشعبنا حق مقاومة الاحتلال وسيلة لتحقيق استقلاله الوطني وممارسة حقه في تقرير المصير.
أما جهازكم القضائي - المتفرعة منه هذه المحكمة وغيرها - فهو أحد أدوات الاحتلال العسكري، وظيفته إضفاء الشرعية القانونية على جرائم الاحتلال وممارساته المتناقضة مع منطق ونصوص القانون الدولي وتشريع الاحتلال وتكريس مفاهيمه وفرضها بالقوة على شعبنا، كجزء من فرض الرؤيا الإسرائيلية لسبل إدارة الصراع وطبيعته، والسير بمنطق القانون الدولي على رأسه بدلاً من قدميه لتسويق الاحتلال - الشكل الأسوأ لإرهاب الدولة المنظم - كحالة دفاع عن النفس. وفي المقابل تصوير المقاومة المشروعة التي يقوم بها شعبنا، إرهاباً ينبغي محاربته وتصفيته أو محاكمة من يمارسه أو يؤيده أو يحلم به.
وأمام هذا التناقض بين منطقتين لا بدّ من حكم؟؟ ولا أجد نفسي مضطرًا لتقليب صفحات القانون الدولي أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما دام هناك شاهد من بينكم هو أحد قادة حزب العمل المؤسسين لدولتكم، حيث وصف هذا القائد قوانين الطوارئ الدولية التي أقرّها الاحتلال البريطاني عام 1945 بعد سنه من صدورها أنها "أسوأ من القوانين النازية"، وأضاف "صحيح أن النازيين ارتكبوا جرائم لكنهم لم يبلغوا حد التشريع لهذه الجرائم". أوليس هذا حكمًا ما دامت محكمتكم ولوائح اتهامكم تستند على هذه القوانين وتضع الاحتلال وأدواته في موقع الاتهام والادانه.
وتأسيساً على ما سبق فان مقاضاتكم لمناضلي شعبنا هي جريمة بحدّ ذاتها، وهي امتداد للجرائم التي مارسها ضد أبناء شعبنا، بدءاً من مصادرة أراضيه واحتجاز حريته واغتيال أطفاله ونسائة وشيوخه واغتيال قيادته السياسية، أو محاكمة مناضليه وقيادييه كما حدث على سبيل المثال لا الحصر باغتيال القادة " أبو على مصطفى، الشيخ احمد ياسين، ياسر عرفات" مرورًا باعتقال الوزراء والنواب المنتخبين في انتخابات ديمقراطية شرّعها المجتمع الدولي وأشاد بنزاهتها وحريتها وشفافيتها ووافقت عليها حكومتكم في حينه. هذه الجرائم ما زالت مستمرة وتستدعي من راعي القانون الدولي وقفها وتأمين الحماية الدولية لشعبنا، وتقديم الاحتلال وقيادته "كمجرمي حرب أمام محكمة دولية نزيهة".
والأهم من كل ذلك بل الأسوأ، أن حكوماتكم المتعاقبة لا زالت مصممة على ممارسة المنطق الفاشل بإحلال المعالجة الأمنية للصراع بديلاً للمعالجة السياسية المستندة إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية كمدخل واقعي لتسوية هذا الصراع المزمن الممتدّ منذ أكثر من قرن، على طريق عمله بطريقة ديمقراطية حضارية وإنسانية.
إن استناد القيادة الإسرائيلية عبر تشكيلاتها الحكومية المتعاقبة إلى موازين القوى الدولية التي نشأت في ظلها إسرائيل، واستمرار الاختلال الفادح فيها لصالح الميزان العسكري الإسرائيلي، أدّيا لاحتكام إسرائيل للغة الغطرسة والاستعلاء كوسيلة لإخماد الصراع الذي يستمد ديناميته من حقائق تاريخية موضوعية لا يمكن إغماض العين عنها. ومع ذلك عملت هذه القيادة لإفشال أي محاولة أو تَحرّك لتسوية هذا الصراع سلمياً وبالطرق السياسية، وهي جاهزة لرفض أي مبادرة لبناء مشروع سياسي متوازن ينطلق من القرارات الدولية. فقد رفضت المبادرة الفرنسية، الأسبانية، والإيطالية لعقد مؤتمر دولي مشترطة تحديد وظيفته وصلاحياته ومرجعياته.
هذه السياسة قد تستجيب لمصلحة هذه القيادة أو الإدارة الأمريكية، لكنها قطعاً لا تخدم الشعارات التي تسوقها يومياً للسكان اليهود في فلسطين أو لشعوب العالم تحت عناوين الأمن ... ومكافحة الإرهاب.. فالأمن لم يتحقق يوماً في منطقة تحتضن صراعًا بين الاحتلال والشعب المحتل باستخدام الآلة العسكرية مهما بلغت عظمتها وجبروتها. فالأمن لا يحققه إلاّ السلام القائم على قراءة موضوعية لحقائق الصراع. وهذا السلام يبدأ بإنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب المحتل واحترام القانون الدولي، وليس التعامل بوضع الاحتلال قوةً فوق القانون والاحتكام إلى منطق الاستعلاء والغطرسة والظهور على طريقة أن "ما يفكر فيه موسوليني هو الحقيقة" الأمر الذي سيغذي دورات هذا الصراع، وستكون حكومتكم مسؤولة عن أرواح الناس التي ستزهَق فيه وعن فقدان الأمن والاستقرار الشخصي والاجتماعي والاقتصادي على جانبي الصراع.
هذه الحقيقة يجب أن تدفع اليهود في فلسطين وشعوب العالم وقواه الحية المتطلعة إلى العدل والحرية لفهم أسباب ومحرك هذه السياسة. فدوافع سياسة الاحتلال ليست الجهل السياسي بالتأكيد أو الخوف من المستقبل أو الحرص على أمن اليهود، كما يروّجون؛ فالتاريخ الحديث والمعاصر لم يسجل في صفحاته أن شعبًا ناضل من أجل حريته وأنجزها قد ظلم حتى من استعبده وأسقاه الذل لسنوات طويلة، والأمثلة على ذلك كثيرة وفي ظروف مشابهة للصراع الدائر في فلسطين كجنوب أفريقيا وزيمبابوي. إن ما يحرك سياسة حكومتكم هو الوظيفة الإمبريالية التي أوكلت لإسرائيل، هذه الوظيفة تجعل من الشعارات التي رفعتها قيادة إسرائيل لجماهير اليهود تضليلية. ومنطق سياسة حكومتكم ليس فقط تبرير الاحتلال وجرائمه، بل أيضًا تبرير سياسة التمييز العنصري التي تمارسها ضدّ جماهير شعبنا في الجزء المحتل من فلسطين عام 48؛ هذا التمييز هو سِمة ملازمة للقوة الإمبريالية وثقافتها. ولا يستثني التمييز ضمن المجتمع اليهودي الطوائف الشرقية وصولاً إلى المهاجرين من إفريقيا وإثيوبيا. فرأس الهرم السياسي في إسرائيل كان على الدوام حافظًا لمصالح حفنة محلية ودولية من الرأسماليين الصهاينة المتحالفين مع الشركات الاحتكارية الإمبريالية الدولية التي تقود وتوجّه السياسة الأمريكية والإسرائيلية اليوم.
السلام والأمن والديمقراطية والرفاهية لليهود في فلسطين، وكل الشعارات المستهلكة، ما هي إلاّ واجبة لفرض المشروع الإمبريالي الأمريكي للشرق الأوسط الكبير أو الجديد - كما أسماه شيمعون بيريس، وهذا ما لا ينكره أو يتستّر عليه أيّ من أقطاب تحالف العولمة الإمبريالية الدولية وعلى رأسه أمريكا.
وعلى هذا الأساس، ولمجمل ما سبق ودفاعًا عن عدالة قضيتنا ونضال شعبنا المشروع ضد الاحتلال، أرفض الاعتراف بشرعية محكمتكم أو تشريع احتلالكم، أو الوقوف أمام كل منهما، فما تسمّونه في لائحة اتهامكم "مخالفات أمنية" هي في حقيقة الأمر واجبات وطنية "إن كانت قد حدثت فعلا ً أم لا" وتأتي في إطار الواجب العام في سياق مقاومة الاحتلال.
في الوقت نفسه فأنني كأمين عام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أؤكد اعتزازي بانتمائي للحركة الثورية الفلسطينية وامتدادات هذه الحركة على الصعيدين الإقليمي والقومي والدولي، التي تشكل مكوّنات الحركة الثورية العالمية المناهضة لنظام العولمة الإمبريالية، والإطار القيادي لنضال شعوب العالم وطبقاته المقهورة من أجل الحرية والديمقراطية والاشتراكية والتقدم العالمي والاقتسام العادل للثروة والتكافؤ بين الشعوب والسلام، ورفض مكانة الاضطهاد والحرية الإمبريالية والنهب والقهر والتمييز العنصري، وبناء ثقافة وحضارة عالمية إنسانية تقدمية تعيد للإنسان إنسانيته وتفتح طريق تطوّره الحر.
أفتخر بكوني مناضلاً من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الاستقلال الوطني والعودة للاجئي شعبنا وبناء المقوّمات الضرورية التي تشكل مدخلاً لتحقيق الحل الديمقراطي الشامل للصراع في فلسطين وحوله فلسطين، الحل الذي يحقق السلام الدائم لكل سكان فلسطين عربًا ويهود، الحل الذي يحقق المصالحة التاريخية والمساواة والتكافؤ في الحقوق والواجبات في دولة ديمقراطية واحدة دولة تستند إلى نظام سياسي ديمقراطي ينبذ كل أشكال التمييز على أساس الدين أو القومية أو العرق أو الطبقة أو الدين أو الجنس.
وأخيراً ...
قد لا ترغب هذه المحكمة بسماع هذا الموقف، وقد تعتبره خارجًا عن إطار وظيفتها، وهذا في حدود الفهم الضيق صحيح، وإن كان موقفي منسجمًا مع منطق وجوهر الصراع وأسبابه الموضوعية، حيث المعالجة الدقيقة هي التي تتناول الأسباب وليس النتائج.
وأمام هذا التعارض الجوهري أنهي مرافعتي بالقول:
هذه محكمتكم وتملكون القوة لعقدها واستكمال فعولها (وإدانتي) على أساس لائحة اتهامكم العلنية والسرية، والنطق بالحكم الذي حددته الجهة السياسية والأمنية التي تقف خلف هذه المحكمة. لكنني أيضاً أمتلك الإرادة المستمدّة من عدالة قضيتنا وعزيمة شعبنا لرفض القيام بأيّ دور في هذه المحكمة المسرحية، محافظًا على توازن منطقي المنسجم مع تصميمي على مقاومة احتلالكم إلى جانب أبناء شعبنا مهما ضيقتم مساحات الحركة المتاحة لي كأسير حرية.
أحمد سعدات
الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
14/1/2007